على مدى أكثر من عقد، عاش القطاع المصرفي في سوريا حالة عزلة خانقة عن النظام المالي العالمي، نتيجة العقوبات الدولية، وانهيار البنية الاقتصادية، وتراجع الثقة المحلية. ومع سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024، بدا المشهد المصرفي وكأنه يقف على أطلال قطاع فقد وظائفه الأساسية، وتحوّل إلى مجرد قنوات محلية محدودة الحركة. لكن هذا الانهيار لم يكن نهاية القصة، بل كان بداية مرحلة جديدة، اتسمت بجهود مكثفة لإعادة بناء القطاع وربطه مجدداً بالعالم، في مسار تدريجي لكنه واضح المعالم.
• من العزلة الكاملة إلى بداية الانفتاح:
منذ عام 2011، شكّلت العقوبات الدولية العامل الأكثر تأثيراً في شلّ القطاع المصرفي السوري. فحجب البنوك السورية عن شبكة SWIFT لم يكن مجرد إجراء تقني، بل كان قطعاً لشريان أساسي يربط أي اقتصاد بالعالم. ومع غياب القدرة على التحويلات الخارجية وتمويل التجارة وفتح الاعتمادات، انكمش دور المصارف إلى حدودها الداخلية، بينما ارتفعت تكاليف التحويلات، وانتشرت القنوات غير الرسمية، وتراجعت الثقة بالقطاع ككل.
ومع انهيار النظام السابق في 8 كانون الأول 2024، دخلت المصارف مرحلة “الفراغ المصرفي”: فروع مغلقة، سيولة شبه معدومة، تجميد للإيداعات، وسوق موازية لبيع الأرصدة المصرفية. ورغم تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، بقيت المصارف خارج النظام المالي العالمي، أو ضمن وصول محدود لا يتجاوز المراسلات.
لكن هذا الواقع بدأ يتغير تدريجياً مع وصول الحكومة الجديدة، التي وضعت ملف إعادة دمج سوريا مالياً في مقدمة أولوياتها.
:• رفع العقوبات نقطة التحول الكبرى
في منتصف عام 2025، بدأت ملامح الانفتاح تظهر بوضوح. فبعد جهود دبلوماسية مكثفة شاركت فيها شخصيات وطنية في الداخل والخارج، أعلنت أوروبا رفع عقوباتها، بينما خففت الولايات المتحدة قيودها على القطاع المالي والطاقة والتجارة.
وجاءت اللحظة المفصلية في 25 آب 2025، حين أنهت وزارة الخزانة الأميركية برنامج العقوبات على سوريا، ما سمح بعودة اسم مصرف سورية المركزي للظهور داخل نظام SWIFT. لم يكن ذلك مجرد حدث رمزي؛ فقد بدأت أنظمة بنوك في تركيا وإيطاليا والسعودية وألمانيا وسويسرا وهولندا بإظهار خيار “مصرف سورية المركزي” ضمن مراسلاتها، في إشارة واضحة إلى أن القنوات المالية السورية بدأت تُفتح من جديد.
كما لحقت كندا واليابان بالقرار، معلنتين رفع القيود المصرفية والتجارية، في خطوة وُصفت بأنها “جزء من إعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي”.
• إصلاحات داخلية لتعزيز الثقة الدولية
إعادة الارتباط بالنظام المالي العالمي لا تتم بقرار سياسي فقط، بل تحتاج إلى بيئة مصرفية قادرة على الامتثال للمعايير الدولية. ولهذا اتخذت الحكومة الجديدة سلسلة من الإجراءات الجوهرية:
- معالجة الانكشاف على المصارف اللبنانية
ألزم مصرف سورية المركزي البنوك المحلية بتغطية خسائرها المرتبطة بالانهيار اللبناني، والتي بلغت 1.6 مليار دولار. هذه الخطوة كانت ضرورية لإظهار شفافية مالية، ولإعادة ترتيب ميزانيات المصارف بما يتوافق مع متطلبات البنوك الأجنبية.
- إصلاح البنية النقدية
طرح فئات عملات جديدة سمح بضبط السيولة، والحد من التلاعب بسعر الصرف، وكشف عمليات غسل الأموال، وإعادة الثقة بالعملة الوطنية.
- تعزيز الحوكمة والامتثال
وقع مصرف سورية المركزي مذكرة تفاهم مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتعزيز الحوكمة والإشراف والشفافية، وهي عناصر أساسية لأي نظام مصرفي يسعى للاندماج العالمي. كما تم التعاقد مع شركة Oliver Wyman لإجراء مراجعة تشخيصية شاملة للقطاع المصرفي، بهدف رفعه إلى المعايير الدولية.
- خطوات عملية نحو الاندماج المالي
مع نهاية 2025 وبداية 2026، بدأت الخطوات العملية التي تشير إلى أن سوريا لم تعد مجرد “حالة مراقبة”، بل أصبحت في مسار فعلي للعودة إلى النظام المالي العالمي:
- توقيع مذكرات تفاهم مع Visa وMastercard لإعادة خدمات الدفع الإلكتروني.
- إطلاق مبادرة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي بقيادة اتحاد البنوك العربية وبدعم أوروبي.
- اهتمام بنوك عربية وتركية بالدخول إلى السوق السورية، مع توقعات بارتفاع عدد البنوك العاملة إلى 35 بنكاً بحلول 2030.
- عودة شركات لوجستية عالمية للعمل في سوريا، ما يعزز حركة التجارة الخارجية ويزيد الحاجة إلى قنوات مصرفية رسمية.
• خاتمة: مسار طويل… لكنه بدأ بالفعل
لا يمكن القول إن القطاع المصرفي السوري قد عاد بالكامل إلى النظام المالي العالمي، فالتحديات ما تزال كبيرة، والبنية المصرفية تحتاج إلى إعادة بناء شاملة. لكن المؤكد أن المسار قد بدأ، وأن الجهود المبذولة ليست شكلية، بل تتضمن:
رفع عقوبات
إعادة ربط تقني
إصلاحات داخلية
تعاون دولي
شراكات استراتيجية
خطوات عملية في البنية التحتية المالية
وهذه العناصر مجتمعة تشكل الأساس الذي يمكن أن يعيد للمصارف السورية دورها الطبيعي، ويعيد لسوريا موقعها داخل الاقتصاد العالمي.
وبعد ما مرت به المصارف السورية تبقى الأسئلة الأكثر شيوعاً:
كيف يمكنني نقل أموالي إلى داخل سوريا؟
غالباً وعلى الرغم من تفعيل نظام SWIFT إلا أن المصارف في الدول الأخرى لم تتكون لديها الثقة الكافية لإعادة المراسلات مع المصارف السورية حتى هذه اللحظة يبقى الحل الأكثر انتشاراً هو حوالة WESTERN UNION عن طريق شركة حوالات مرخصة ضمن سورية أو عن طريق MONEYGRAM عن طريق المصارف وهما الحلين الأكثر ضماناً.
هل يمكنني استخدام بطاقة الائتمان عند الدفع؟
لا، فعلى الرغم من قيام المصرف المركزي بالتوقيع على مذكرات تفاهم مع MASTERCARD و VISA إلا أن التعامل بها لم يدخل حيز التنفيذ بعد نظراً لعملية إعادة هيكلة المصارف المحلية ودراسة قوانين جديدة لملاءمة الواقع الحالي، بالإضافة للسبب المذكور في الاستفسار السابق، ولكن يجدر الذكر بوجود شركات تقوم بإصدار بطاقات ائتمان محلية قيد الاستعمال إلا أنه يجري العمل على إعادة هيكلة عمل هذه الشركات لجهة الحوكمة والامتثال تمهيداً لربطها بالشبكات العالمية.
لماذا لا يزال القطاع المصرفي في سوريا يعاني على الرغم من تخفيف العقوبات الدولية؟
أزمة السيولة النقدية والتي كشفتها إفصاح مصرف سورية المركزي، حيث أن المصارف السورية لديها أكثر من 1.8 مليار دولار أمريكي المحتجزة في النظام المصرفي اللبناني المنهار.